العملات الرقميهالمميزات

الأسباب الخفية وراء ركود سوق العملات الرقمية!

لا تزال العملات الرقمية تتعرض لنزيف في قيمتها السوقية يوماً بعد آخر، وذلك نظراً للعديد من العوامل التي أثرت سلباً على هذه القيمة، فالحكومات أعلنت حرباً ضد هذه الثورة التقنية الجديدة وذلك خوفاً من استخدامها في الأعمال الاجرامية كتمويل الارهاب وغسيل الأموال، حيث كثر الحديث مؤخراً عن ضرورة تنظيم هذه الصناعة الناشئة وبما يؤدي إلى الحد من استخدامها بشكل غير مشروع والعمل على حماية المستثمرين.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فمن ناحية أخرى تحيط بالعملات الرقمية مخاطر أخرى، منها على سبيل المثال الاجراءات التي تتخذها بعض الشركات العالمية التي يمكن اعتبارها في خندق الصناعة المنافسة (شركات الانترنت العالمية). فمؤخراً أعلنت شركة جوجل عن سعيها إلى حظر جميع الاعلانات المتعلقة بالعملات الرقمية، وذلك بعد أسابيع قليلة من إعلان شركة فيسبوك لحظر الاعلانات الترويجية التي لها صلة بالعملات الرقمية، وانضم موقع التواصل الاجتماعي تويتر إلى قائمة محاربي العملات الرقمية معلناً عزم الشركة حظر إعلانات العملات الرقمية.

من ناحية أخرى تعاني العملات الرقمية من خطر اضافي يتربص بها؛ والمتمثل بعمليات السطو الالكتروني (القرصنة Hacking) على ممتلكات المستثمرين في العملات الرقمية وذلك عبر العديد من محاولات القرصنة التي تتعرض لها منصات التداول، بعض هذه المحاولات نجح بالفعل في سرقة عملات رقمية تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.

كل هذه المخاطر قد تبدو مألوفة للجميع، لكننا في هذا المقال سنحاول عرض واحدة من أهم المخاطر التي تواجه العملات الرقمية (قد يجهلها الكثيرين) وذلك من منظور اقتصادي.

العوامل الاقتصادية لركود سوق العملات الرقمية

من المعروف في علم الاقتصاد بأن الأسعار بشكل عام تتأثر بالعرض والطلب على السلعة، كذلك الحال تتأثر الأدوات المالية في أسواق الأوراق المالية المختلفة بمستويات العرض والطلب وبالتالي فإن حدوث أي خلل في واحد منها سينعكس وبشكل ملحوظ على أسعار التداول.

العملات الرقمية واذا ما سلمنا بأنها تعتبر من قبيل الأدوات المالية تتعرض حالياً لمخاطر التغير في العرض والطلب بشكل غير مألوف للأسواق المالية الأخرى، وتقف بعض الخصائص التي تتميز بها العملات الرقمية عن غيرها من الأدوات المالية خلف زيادة مستوى مخاطر تغيرات العرض والطلب، ويمكن عرض ذلك كما يلي:

1- التعدين Mining

إذا ما نظرنا إلى عملية تعدين العملات الرقمية من ناحية اقتصادية فإننا سنخلص إلى أن هذه العملية قد تسهم بشكل أو بآخر في زيادة مخاطر تقلبات أسعار العملات الرقمية خصوصاً في فترات الركود التي قد تصيب سوق العملات الرقمية. فمن ناحية اقتصادية تصاب الأسواق بالركود إذا حصل واحد من هذين الأمرين:

  • انخفاض في الطلب.
  • زيادة في العرض

وفي حالة العملات الرقمية فإنها تعاني من حدوث الأمرين معاً، فخلال الآونة الأخيرة انخفضت أسعار العملات الرقمية بسبب العديد من الضغوطات، مما أدى إلى إصابة سوق العملات الرقمية بنوع من الركود بسبب انخفاض الإقبال على التعامل بها.

من ناحية أخرى تتمتع بعض العملات الرقمية بالقابلية في زيادة حجم المعروض منها من خلال عملية التعدين وبالتالي فإن ركود سوق العملات الرقمية سيزداد سوءاً مع زيادة الكميات المعروضة من العملات الرقمية يوماً بعد يوم. فعملة البيتكوين على سبيل المثال تزداد الكميات المتاحة منها بفعل عملية التعدين بنحو 1800 وحدة بيتكوين في اليوم، والايثريوم هي الأخرى تزداد الكمية المتاحة منها بنحو 19900 وحدة في اليوم، أما عملة البيتكوين كاش فتزداد كميتها بشكل يومي بما مقداره 1725 وحدة.

هذا الأمر قادنا إلى ضرورة إجراء دراسة احصائية لسوق العملات الرقمية لمحاولة الوقوف على مدى وجود تأثير عملية التعدين على زيادة مخاطر ركود سوق العملات الرقمية.

وفي سبيل ذلك، قمنا بدراسة البيانات المتاحة عن أهم ثلاثة عملات رقمية قابلة للتعدين هي (البيتكوين Bitcoin , الايثريوم Ethereum, بيتكوين كاش Bitcoin Cash) فهذه العملات مجتمعة تمثل قيمتها السوقية في الوقت الحاضر أكثر من 66% من اجمالي القيمة السوقية لسوق العملات الرقمية.

ومرة أخرى نجد أن الزيادة المطلوبة في الحجم لمواجهة الزيادة في المعروض من العملات ساهمت في انحراف السيولة (الطلب) بمقدار 2.74% وهي نسبة قريبة جداً تؤكد صحة النسبة التي توصلنا لها أعلاه عند تحليل مؤشر العرض.

2- صعوبة تدفق رؤوس أموال نقدية (سيولة) Liquidity

من الأمور التي تجعل المشهد أكثر تعقيداً؛ هي الصعوبات التي تعيق حركة رؤوس الأموال النقدية إلى السوق، وهذا الأمر يبدو واضحاً من خلال القيود الصارمة التي صرحت بها العديد من البنوك حول العالم وقيامها بحظر المدفوعات النقدية التي تحاول التوجه نحو سوق العملات الرقمية.

ويعتبر ظهور عملات جديدة عن طريق الاكتتابات ICOs من العوامل التي تزيد من الوضع سوءاً، فهذا الأمر يؤدي إلى خلل كبير في سيولة السوق، ففي علم التمويل يتم طرح أدوات مالية جديدة في السوق للاكتتاب العام عندما تكون هناك حاجة ماسة لذلك (الحاجة للتمويل, ووجود سيولة فائضة في السوق)، أما في سوق العملات الرقمية فالأمر يتم بصورة عشوائية، فلا توجد جهات تنظيمية مؤسسية كانت (هيئات الأوراق المالية SEC) أو ذاتية التنظيم (Self-regulated) تنظم عملية إصدار العملات الرقمية.

وللوقوف على الأثر العميق لهذه المعضلة، نلاحظ أن الاكتتابات الجديدة في العملات تستنفذ جزء كبير من السيولة المتاحة في السوق، فبعض التقارير الاحصائية تشير إلى أن العملات الرقمية التي طرحت للاكتتاب العام خلال الربع الأول من عام 2018 بلغت نحو 4 مليار دولار، ونظراً للقيود الكبيرة على تدفق السيولة النقدية للسوق نرى أن معظم (إن لم يكن جميع) عمليات الاكتتاب يتم تمويلها بواسطة عملات رقمية أخرى.

وبلغة الأرقام، نجد أن الاكتتاب في العملات الرقمية الجديدة ICO خلال عام 2018، ساهم في خلق الركود في سوق العملات بنسبة 73.4% تقريباً ( حجم الاكتتاب في العملات الجديدة خلال 2018م ÷ حجم الانحراف في السيولة الموضح في الجدول السابق). فالاكتتاب في العملات الجديدة عبر عملات أخرى ساهم في تجميد ما يقارب 4 مليار دولار أمريكي وبالتالي تعطيل جزء كبير من السيولة عن التداول.

إن ما تتعرض له سوق العملات الرقمية من انخفاض في قيمتها السوقية تتطلب ضرورة إنشاء جهات غير رسمية (ذاتية التنظيم) للقيام بتنظيم هذه السوق وذلك من أجل المساهمة في اعادة توازن السوق، فكما رأينا بأن الاكتتابات الجديدة في العملات الرقمية تؤثر بشكل جوهري وكبير على ركود السوق في ظل محدودية السيولة المتاحة، كما أن  تعدين العملات الرقمية يساهم في هذا الركود.

ورغم انخفاض نسبة مساهمة التعدين في الركود الحاصل في سوق العملات الرقمية إلا أن ذلك قد يفسر لنا لماذا لا تزال العملات الرقمية تعاني من النزيف اليومي في القيمة السوقية رغم انخفاض حدة المخاطر الأخرى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock